الفكر الكربلائي

أحوال جيش يزيد(2)

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

أحوال جيش يزيد(2)

 

نتابع الحديث حول أحوال جيش يزيد حيث كثرت الأحداث فيما بينهم وتعددت المواقف السلبية تجاه بعضهم البعض، ففي البحث السابق سلطنا الضوء على عدة مسائل تتعلق بهذا الجيش الذي قدِم إلى كربلاء لقتال أهل البيت فذكرنا السبب في حشد ذلك العدد الهائل من المقاتلين وأنهم لم يكونوا من ملة واحدة أو مدينة واحدة وإنما كانوا من ملل شتى ومدن متعددة لأسباب ذكرناها في البحث الماضي، وهنا سوف نتابع الكلام حول ما يتعلق بهذا الجيش الحاقد هو وقادته.

فعندما بدأت المعركة بين الجيشين كان في جيش يزيد رجال واعون مدركون للعواقب قد درسوا الأحداث التي رأوها وسمعوا بها فوصلوا إلى النتيجة الطبيعية للتفكير السليم وهي الإلتحاق بصفوف المؤمنين الصادقين الذين لم يتجاوز عددهم المئة وهم أصحاب الحسين وأهل بيته، وقد حدثنا المؤرخون بأن أكثر من شخص التحقوا بجيش الحسين عندما بدأت المعركة حيث عرفوا الحقيقة والتزموا نهج الحق لأنهم لو استمروا في انصياعهم لأوامر يزيد وقادة جيشه لخسروا الدنيا والآخرة، إذاً هناك مَن تأمل وتفكر ونظر بعين البصيرة فاختار طريق الهدى وغسل ذنوبه التي اقترفها عبر عقود من الزمن كالحر بن يزيد الرياحي الذي أوصل موكب الحسين إلى أرض كربلاء وضرب عليهم حصاراً محكَماً كيلا يفر منهم أحد، ولم يكن منهم من يفكر بالفرار لأنهم أتوا إلى أرض المعركة بملئ إرادتهم، فأتى الحر إلى الحسين واعتذر منه واستأذنه بأن يكون أول المقاتلين لذلك الجيش الغادر فمدحه الإمام(ع) وأذن له بالقتال بين يديه بعد أن بشّره بالجنة، وبالفعل هذا ما حدث عندما قاتل الحر قتالاً شديداً حتى كان أول شهيد من شهداء كربلاء.

وهناك من فكّر وتأمل وراقب الأحداث فعرف الحق واعتقد به ولكنه عمل بغير ما اعتقد به حيث خيّر نفسه بين الجنة والنار فاختار النار بملئ إرادته وهو عمر ابن سعد، ولا شك بأنه كان في جيش يزيد أكثر من شخص صنعوا ما صنعه عمر بن سعد، فعمر بن سعد لم يحركه خوفه من يزيد وإنما حركه طمعه بملك الري، وقد تغنى عمر بن سعد بهذا الإنحراف الإنساني والعقائدي حيث قال: فوالله ما أدري وإني لحائر أفكر في أمرٍ على خطرين، أأترك ملك الري والري منيتي أم أرجع مأثوماً بقتل حسين، حسين ابن عمي والحوادث جمة لعمري ولي في الري قرة عين، ألا إنما الدنيا بخيرٍ معجلٍ فما غاقل باع الوجود بدَين.

هذا هو الضلال بعينه وهذا هو الخسران المبين فالذين خيروا أنفسهم بين الدنيا والآخرة واختاروا الآخرة فقد فازوا فوزاً عظيماً وأما الذين خيروها بينهما وآثروا العاجلة على الآجلة فقد خسروهما معاً، وعمر بن سعد آثر ملك الري على الآخرة فخسر الآخرة ولم يهنأ بملك الري وكان عبرة لمن يعتبر، ويشابهه بالتصرف خولى بن يزيد الأصبحي الذي حمل الرأس الشريف ورجع مسرعاً إلى عبيد الله بن زياد ليحصل على الجائزة قبل غيره فكانت جائزته أن عبيد الله بن زياد قد أمر بقتله فخسر الدنيا والآخرة.

فعلى الذي يريد أن يفكر ، أن يفكر بشكل صحيح، وأن يعمل بما يقتضيه التفكير السليم، لا أن يفكر صحيحاً ويعمل بعكس ما فكّر وإلا فسوف يصل إلى النتيجة التي وصل إليها ابن سعد وخولّى الأصبحي.

ومن جيش يزيد من لم يعطِ لنفسه المجال للتفكير حيث أعماه طمعه عن ذلك واستمر في غيه ووثٍق بأهل الظلم ليتمتع بالسلطة ولو لوقت وجيز من الزمن فحرمهم الله تعالى من التمتع بذلك وأشعرهم الحزن والمذلة في الدنيا قبل عذاب الآخرة، وهذه هي حالة العملاء الذين باعوا ضمائرهم للجهات المعادية وخانوا أوطانهم وشعوبهم فكانت النتيجة أن الذين استأجروهم للعمالة قد استغنوا عنهم وربما قتلوا الكثير منهم.

كان في جيش يزيد من جاء إلى ساحة القتال خوفاً من أن تلاحقه عيون يزيد فهو لا يريد أن يقاتل مع يزيد ولا مع الإمام الحسين، وهذا مخطئ أيضاً حيث يجب عليه الإلتحاق بجيش الحسين والدفاع عن دينه الذي حفظه الله بجهود أهله وصبرهم وتضحياتهم، وهذا ما صنعه الإمام الحسين في كربلاء فإنه لم يقاتل يزيداً من أجل السلطة أو من أجل الدفاع عن النفس، فمخطئ من يدعي بأن الحسين قاتل من أجل ذلك، فلقد قاتل الإمام من أجل الإسلام وهذا ما صرح به الإمام نفسه بألفاظ لا تحتمل التأويل والتوجيه حيث قال: إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، لم يعتدي الحسين على أحد ولم يصنع ما صنع من أجل نفسه لأنه كان يعلم تماماً بأنه مقتول، وهذا ما صرّح به قبل خروجه من المدينة المنورة أي قبل معركة كربلاء بحوالي سبعة أشهر عندما قال: شاء الله أن يراني قتيلاً: فالخطر الذي كان محدقاً بالحسين وأهل بيته لم يكن محدقاً بغيرهم ورغم ذلك لم يسكت ولم يجلس في داره وإنما خرج للتغيير ولإصلاح أمر الأمة وتصحيح الأفكار الدينية التي خرّبها يزيد وزورها من أجل مصالحه، فسبب الخروج الأول هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا واجب كل مسلم ومسلمة وليس واجب الإمام المعصوم فقط، فالذين أتوا مكرَهين مع جيش يزيد مذنبون لأنهم لم يأتمروا بأمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تلك الظروف كان القيام بهذا الواجب ثابتاً حيث أمر الإمام المعصوم بالجهاد ضد الظلم والظالمين.

كان الأجدر بهؤلاء أن يخافوا من الله تعالى بدل أن يخافوا من المخلوقين، وليس إحداق الخطر بك مبرراً لأن تقتل الأبرياء أن تشارك في قتلهم أو تسكت عن قتلهم، كان الأجدر بهذا الصنف من الناس أن يفعلوا كما فعل الحر الرياحي عندما التحق بركب الحسين وفضّل الموت بعز وشرف على الحياة تحت رحمة الظالمين، فلو آزر هذا الصنف من الذين أُتي بهم لقتل الإمام لو آزر بعضهم بعضاً ووقفوا موقفاً متحداً لزرعوا الرعب في قلب يزيد وأعوانه حيث كان من الممكن أن تتغير بهذا العمل معادلات كثيرة على الساحة، كان أحدهم خائفاً من الآخر وخائفاً من أن يُفتضح أمره حيث زرع يزيد الخوف فيهم وألقى الرعب في قلوبهم حتى يسيطر عليهم ويصبحوا أدوات لتنفيذ جرائمه، قد يسمح لك الإسلام بأن تخرج عن بعض الحدود الشرعية في بعض الحالات الخاصة التي عبّر عنها الله تعالى بقوله(فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) فالإسلام الحنيف أذن لنا بالخروج عن بعض حدوده إذا لم يصل الأمر إلى القتل فلو خُيِّر الإنسان بين أن يُقتل أن يقتل مسلماً لما جاز له قتل المسلم حتى ولو قُتل ألف مرة، فكيف أجازوا ذلك لأنفسهم والمقتول هو الخليفة الحق خامس أهل الكساء وثالث أئمة الهدى، ورغم ذلك لم يُغلق الإسلام باب التوبة أمامهم فلقد كان بإمكانهم أن يتوبوا ويكفروا عن ذنبهم العظيم كما صنع الوحشي قاتل حمزة في معركة أحد فلقد أتى إلى النبي(ص) وأعلن ندمه وتوبته فعفا الرسول عنه.

وهذا الحكم يجري على من كان يعرف هوية الحسين ومن كان لا يعرف هويته لأن القتل واحد، وعلى القاتل أن يتحقق من هوية المقتول قبل أن يأتي بأية حركة، ألا يحتمل أن يكون المقتول المجهول لديه واحداً من أولاده أو أخوته أو أقاربه.

ثم إن الذين أبدوا ألأم أنواع الخبث هم الذين كانوا طامعين بالحكم وهم الذين ساروا على مقولة إن الغاية تبرر الوسيلة وما أقبح غاياتهم وما أسوأ تلك الوسائل التي استعملوها لبلوغ أهدافهم وتحقيق أطماعهم، ومن أبرز أولئك عمر ابن سعد وشمر بن ذي الجوشن الذي باشر قطع الرأس الشريف بسيفه الشيطاني الغادر والذي تلوث بدماء العديد من الأبرياء قبل الحسين(ع)

وأما عاقبة ذلك الجيش الذي نزل عند رغبة الشيطان فلقد كانت وخيمة عليهم في الدنيا قبل الآخرة، ولعله لم يتب أحد من الذين شاركوا بسفك الدم الزكي، وأما التوابون فهم الذين لم يحضروا أرض المعركة لأسباب عديدة.

فعاقبة هذا الجيش قادةً وأفراداً كانت أقسى عليهم مما قاساه أهل البيت في كربلاء فلم تمض سنوات قليلة إلا وكان العقاب قد شمل الجميع على أيدي الأحرار وبالأخص على يد المختار الثقفي الذي ثأر للحسين وأصحابه من كل المجرمين حيث لاحقهم ليلاً ونهاراً وتقصى أخبارهم حتى عذّبهم الله تعالى على يديه، فلقد قُتل يزيد وابن زياد وعمر بن سعد والشمر وكل ظالم ممن ظلم آل محمد في تلك البقعة من أرض العراق.

لقد جمع جيشَ يزيد صفات الشر أما جيش الحسين فقد جمعهم حبهم لله ورسوله وخوفهم من الله وشعورهم بالمسؤولية الكبرى تجاه هذا الدين الحنيف، هذا الدين الذي استعمله المخلصون مطية لبلوغ رضا الله أما الخائنون المنافقون فقد استعملوه مطية للحصول على الدنيا فتستروا به وشوهوا سمعته وبدلوا أحكامه وأخلوا بأنظمته.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى